أحمد بن محمد ابن عربشاه
432
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
هو وطنهما المألوف ومقرهما المعروف ، ورثاه من أسلافهما ، وهو في الشتاء والصيف مرجع إيلافهما ، يدعى الذكر منها النجدي ، والأنثى غرغرة بنت السعدي ، ولذلك الجبل جبل مقارن من جهة الشرق يسمى القارن ، لو قصد البدر دوره أو رفع رأسه لينظر سوره ، أو يحل فيه شعاعه ونوره ، لوقع عن قمة رأسه طرطوره ، في قلّته « 1 » سرير عقاب منيع الجناب ، هو ملك الطيور والجوارح ، وسلطان السوانح والبوارح ، وصافات تلك القلال وكواسر هاتيك الجبال ، كلها تحت أمره العادل العال ، متوج فوق رأسه بإكليل ، ما يبرزه من مثال . فكانت الحجلتان كلما فرختا وقاربت أفراخها الطيران ، عزم أبو الهيثم الكاسر ، بما معه من عقابين كواسر ، وجوارح الطيور ومن تحت أمره من الجمهور ، على التنزه والاصطياد ، فتحيط عساكره بتلك النواحي والبلاد ، فكانوا كلما وطئوا ربوة مهودها وسلكوا ما بين أكنافها وبطونها ونهودها ، تصل طراشة العساكر إلى الجبل الذي فيه وكر الحجل ، فتذهب أفراخها تحت السنابك ، وتضمحل تحت أقدام أولئك ، فتقع الحجلتان في النكد والأحزان وبالجهد والمشقة البالغة ، يخلصان هما من تلك الداهية الثالغة « 2 » ، والنائبة الدامغة ، فلم يزالا في نكد على فقد الولد . فافتكرتا في بعض الأيام ، وقد أثر فيهما هذا الإيلام فيما هم فيه من النكد لفقد الولد المتجدد على طول الأمد ، فقال النجدي لبنت السعدي : قد كبرنا وضاع العمر وحرنا ، وقاربت شمس عمرنا للأفول ، وأقدام بقائنا أن تزل وتزول : وليس لنا من يذكر اللّه بعدنا * إذا ما انتشبنا في مخاليب فقدنا
--> ( 1 ) قلته : الخشب المنصوبة للتعريش . ( 2 ) الثالغة : المهلكة .